حيدر حب الله
151
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
صيغ هذا الحديث من حيث تعبيرها بأنّهم ارتدّوا بعدك القهقرى أو ارتدّوا على أدبارهم أو أعقابهم ، فهذا النوع من التعابير يمكن أن يتحمّل هذا المعنى بصرف النظر عن صغرى الارتداد وموارد تحقّقها . وأمّا تعارض هذه الرواية مع الروايات الدالّة على عرض الأعمال عليه ، فيمكن تطويره من ناحيتين أيضاً : الناحية الأولى : التعارض الواقع بين هذه الرواية وبين نظريّة العلم اللدني الإشراقيّ للنبي ، لا سيما بعد فراقه الدنيا وبعد الدخول في عالم الآخرة ، حيث يُفترض على هذه النظريّة أن يكون النبيّ مطلعاً على حال فلان وفلان من أمّته وغيرهم ، فكيف تتحدّث الرواية عن عدم علمه بما أحدثوه بعده ؟ ! ولا مجال هنا لفرض حلّ هذه المعضلة بثنائيّة : العلم الواقعي والعمل بالوظيفة الظاهرية كما أسلفنا سابقاً ؛ لأنّ المقام هو مقام الواقع والثواب والعقاب وعالم الآخرة لا الدنيا ، فلا معنى لفرض هذا التمييز هناك . الناحية الثانية : إنّ نفس الرواية شاهدٌ على ذلك ، حيث يُخبر النبي في الدنيا بأنّ قوماً من أصحابه سيحصل بهم كذا وكذا ، وسوف يرتدّون أو ينحرفون عن سبيل الهدى والخير ، وعليه فلماذا يستغرب هناك حالهم ، وينادي عندما يؤخذ ببعضهم ذات الشمال مع أنّه اليوم يخبر بحال ذات الشمال في الآخرة ؟ ! إنّ هذا ما يضع الحديث أمام علامة استفهام نقديّة متنيّة قد تبلغ درجة التشكيك في أصل صدوره ، يُضاف إليها الاختلاف الموجود في صيغ الحديث بين أصحابي وأصيحابي ، إلى غير ذلك من العبارات والكلمات . هذه الإشكالية يمكن حلّ بعض مفاصلها ، كالآتي : أ - إنّ الرواية تعني استغراب النبيّ لأخذ هذه المجموعة إلى النار أو الشمال ، فقد لا يكون استغرابه لأصل ذهاب مجموعةٍ ، وإنّما لهذه المجموعة أو تلك ، فليس في مقام استغراب أصل ذهابهم وإنّما ذهاب أعيانهم ، وإخباره بأنّهم سيُحدثون بعده لا يساوق